More servicesWindows Live
HomeHotmailSpacesOneCare
 
MSN
Sign in
 
 
Spaces home  Mariam's WorldPhotosProfileFriendsBlog Tools Explore the Spaces community

Blog

July, 2008

الرضوان: عندما تعود آخر الوجوه (1)

الرضوان: عندما تعود آخر الوجوه (1)
صفقة تبادل الأسرى بين حزب الله والإسرائيليين


بين تموز 2006 وتموز 2008، حكاية آخر الحكايات، وصيف آخر المعارك وعودة آخر الوجوه. حاول الإسرائيليون منع الاحتفالات والنقل الاعلامي: "لا نريد أن يتسمر الجمهور الاسرائيلي على شاشة المنار لكي يعرف على الهواء اذا كان جنودنا أحياء أم أمواتا، بينما يعود سمير القنطار رافعا شارة النصر". كان وصفهم قريباً للحقيقة، فعلى الشاشات كانت كل الوجوه متسمرة تنتظر مصير الجنديين الإسرائيليين، ثم ترى الصندوقين الأسودين اللذان لن يتركا مجالاً للشك بعد اليوم. وفي الخلفية كانت ترى الأعلام والقبعات الصفراء، ورجال من سرايا المقاومة ومكان يعدّ للاحتفال، ويافطة كتب عليها بالانكليزية بشكل مقصود: لبنان يذرف دموع الفرح، إسرائيل تذرف دموع الألم.

وبـ "الرضوان"، أقرّت "إسرائيل" أنها خسرت في معركتها مع حزب الله كل شيء؛ وفي الساعات الاخيرة ما قبل عملية التبادل قررت استبدال الاسم الإسرائيلي للعملية من "التفوق الأخلاقي" إلى: "وعاد الأبناء"، فكذبتها في التفوق الأخلاقي لا يصدقها أحد حتى ولو كان إسرائيليا، وهي التي خسرت "التفوق العسكري" بعد حرب تموز 2006. أما اختيار حزب الله لاسم "الرضوان" فقد جمع بين معان عدة، لكن أبرز دلالاته انه اللقب العسكري لعماد مغنية الذي اغتيل مؤخرا في دمشق.

يوم بارز بكل المقاييس. فاليوم أيضاً تجتمع الحكومة للمرة الأولى، تلتقط الصورة التذكارية، لكن كل ما سيقومون به سيكون في الكواليس مقارنة مع عودة الأسرى والجثامين، إلا ما سيتعلق بالأخيرين من عمليات الاستقبال والمشاركة بها، حيث ستكون للرئيس كلمة أيضاً في استقبال الأسرى في المطار. وستكون هناك كلمة أيضاً للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في الاحتفال، وستسبقها كلمة للأسير المحرر سمير القنطار، بعد حوالي الثلاثين عاما قضاها في الأسر في سجون الاحتلال.

وككل الأيام المماثلة، عطلة يقضيها الجميع أمام شاشات التلفاز. وتمضي الساعات وانت في انتظار "اللحظة" التي لا تعرف تحديداً هي لحظة ماذا. هل هي لحظة معرفة مصير الجنديين أم هي لحظة الظهور الأولى، وظهور من؟ سمير القنطار؟ جثة دلال المغربي؟ أم هي لحظة لم تكن تتوقعها في المؤتمر الصحفي لأم جبر واسماعيل هنية؟ أم هي خطاب القنطار أم خطاب نصر الله أم خطاب الرئيس اللبناني سليمان أم سيكون هناك أيضاً خطابات أخرى؟

لحظة ولكن تمر عليك لحظات. يوم ماراثوني.
ووسائل الاعلام تنقل كل ما تستطيع، لكنها لا تستطيع نقل كل اللحظات. فلحظات أخرى مليئة بمشاعر أقوى وأشد، لا تصل اليها الكاميرات ولا الأعين، هي لحظات المشاعر المختلطة في نفوس أهل الشهداء والقتلى الذين تعود جثامينهم اليوم، وبعضها مضت عليه السنون والسنون. صورهم القديمة – ان وجدت لهم صور. اليوم عادوا، وصار بامكانهم على الأقل زيارة قبورهم. يحيى سكاف الذي توفيت والدته وهي لا تعرف هو حي أو ميت، وكانت لا تزال تحتفظ بحاجياته، سيصل اليوم أيضاً جثة، وروحه هناك مع أمه عندما ظل مصير كلاهما مجهولا للآخر في هذه الحياة. قصص الرحيل اليوم تغلق فصولها الأخيرة، خمسة أحياء و190 جثة. وقصص اليوم تحمل في طياتها آخر الوجوه لكل من كانوا هناك على الجانب الآخر من الحدود، سواء أحياء أو أموات.

عادت آخر الوجوه من الجنوب، وتحقق الوعد الصادق، لكن آلافا عدة من الوجوه لا تزال هناك في الأسر والتعذيب لفلسطينيين وعرب، فمتى سيكون وعدهم؟
May, 2008

بيروت اللقاء: ذاكرة للنسيان ... ودخان يخفي كل تفاصيل المشهد والألوان

بيروت اللقاء: ذاكرة للنسيان ... ودخان يخفي كل تفاصيل المشهد والألوان

مريم عيتاني - الجزيرة توك - بيروت

"أللقذيفة أحفاد؟ نحن ...
أللشظية أحفاد؟ نحن ..."

وهكذا "بيروت اللقاء" كانت اليوم على موعد جديد؛ بل كانوا، والتقوا؛ أحفاد الرصاص والشظايا... ومن شدة الدخان ما عدنا نعرفهم من أنفسنا. وتتفاجئ أنت حين ترى ابنة السنوات الثلاثة عشر التي عرفتها طيلة السنوات التي خلت طفلة خجولة مهذبة، واقفة على باب عمارتها، تحمل في يدها عصا وتجمع مع أخيها الأصغر كومة من الحجارة. تسألها: ماذا تفعلين هنا؟ فتجيبك أن والدتها عالقة في صيدا وأنها تخشى أن يهجموا عليها فنزلت مع أخيها للاستعداد. تسألها: وأين والدك؟ فتجيب: في الأعلى، نائم.

وتعجب كيف صارت هي ضمنهم هم. أحقاً لبستنا التهمة حتى لبسناها، ووصمونا بالجريمة حتى ارتكبناها؟ ولماذا ينام والدها، ذاكرة الحرب الأهلية والماضي، ولمن يتركها ابنة الثلاثة عشر سنة، في ربيع عمرها، وفي ربيع العام، في بلد لم تعرف هدوءاً أو ربيعاً منذ سنين؟

ولتعرف أكثر أين نحن، تذكّر.
تذكّر كلمات صديقتها بالأمس.
"هل نحن مع الحكومة أم ضد الحكومة؟"
وتذكّر ماذا أجبتها، قلت لها، "نحن ضد الاثنين"
فأجابتك وأسكتتك، "أنا ما بعرف شو يعني حكومة، بس هني بيقولوا مع الحكومة وضد الحكومة."
وتمنيت لو أنك عرفت مثل ما كانت تعرف، أو بالأصح، لو أنك لم تعرف مثل ما انها لم تكن تعرف، لربما كنت أدركت حينها ان وراء الكراسي والأسماء واقع فارغ لا يملؤه إلا حكم حقيقي ولا يستأهله إلا شعب حقيقي.
ولعرفت أنك لست ضدّ الاثنين، وأن الاثنين لولا إدراكك لوجودهما لما كان لوجودهما معنى ولما كان لوجودهما وجود.
أن الاثنين كان من المفروض أن يكونا جزءاً من ذاكرة النسيان،


لكن النسيان أقوى من كل شيء.
وصوت الرصاص والقذائف أقوى. يأتي على كل شيء ويكسر كل شيء. حتى الخوف.
ولا يبقى الا صوت الرصاص المتراشق من أيدي فتيان ربما لم يتجاوز أكبرهم العشرين عاماً؛
ودخان أسود يغمر المدينة في النهار وفي المساء،
ومكبات للنفايات أعلنت قطع الطرقات،
وركام ورمال ... ربما، ربما هو كل ما تبقّى من ركام الضاحية من حرب تموز، لكنه كما سوابقه على الأكثر، صار جزءاً من ذاكرة النسيان.


وتذكر عند النسيان ما نسيت وتنساه دائماً.
تذكر الشعب، فتذكر لاشعورياً المطار، فالشعب أغلبه قد سافر.
وتذكر المطار، ومسألة شبكة الاتصالات التي تم كشفها ]اكتشاف! من قلة شبكات الاتصالات المشابهة[، ومعادلة "يا اما فلان بالمطار يا اما بدون المطار"... بلد ... طرقات المطار مقطوعة؛ ومن بين المسافرين المفترشين للأرض، وكل من تعطلت رحلاتهم واشغالهم، لم يسمح المتظاهرين إلا لاستثنائين، السيدة فيروز وفرقتها القادمة من الولايات المتحدة، وفريق النادي الرياضي لكرة السلة، والمغادر إلى مباراة في الكويت.
رياضة وفن ... هي "بيروت اللقاء" ...و: "عيّد يا ولد ... عيد يا بلد"

هل ستغني فيروز مجدداً "خدني على تلاتها الحلوين، خدني على الأرض اللي ربتنا ... انساني على حفاف العنب والتين، إشلحني على ترابات ضيعتنا ... وإمشي على طرقات منسيي، دنية غياب ورح يبيت الطير ... أنطر شي إيد تسلم عليي، شي صوت عم بيقول مسا الخير ... خدني ازرعني بأرض لبنان، بالبيت يللي ناطر التلي ... افتح الباب و بوس الحيطان، واركع تحت أحلى سما وصلي" ؟؟

... أم ستفضّل أن تختار لنفسها أمنية أخرى؟


وأنت تسترسل في شرودك وتصلّي ... فالـ "بلد ماشي على بركات الله" هكذا يقول الجنرال.
لعل الصلاة ضرورية، فكثيرون لا يشاطرون الجنرال اختياره لعبارة "البلد ماشي".


وبين "البلد ماشي" و"البلد واقف" تقف مجدداً لتتوه مجدداً.
قائمة طويلة من المشاكل التي يقولون انها موجودة، وانت من كثرتها فضلت ان تنساها.
أزمة رئاسية؟ حكومية؟ معيشية؟ كهرباء؟ غلاء؟ شحن طائفي؟ اشتباكات؟ جرحى؟
وتعود لذاكرة النسيان.
وتناور: "مشكلتي أن أعرف ما هي مشكلتي"
وتذكر "منهم أخجل دون أن أعرف أني أخجل منهم"
وتسأل: "هل هناك ما يكفي من النسيان كي ينسوا؟"
وتنهكك الكلمات "سيكبرون في التجربة ... في الطائفية لا يكبر أحد ... ليسوا طائفيين بل خائفين" وكل الأحاديث والكلمات.

وتغني:
"لم أمت بعد، ولا أعرف هل أكبر يوماً واحداً
كي أرى ما لا يُرى من مدني؟
لتكن بيروت ما شاءت. ستنساني لأنساها
أأنسى؟ ليتني . . يا ليتني !
أستطيع الآن أن أرجع مني وطني"


وتجذبك أغنية أخرى بالعاميّة كدت تنساها، أغنية فيها ريح أكثر من عبق اللقاء المتجدد، عبق الربيع الذي اختلط فيه الأسود بالأحمر، وعبق نيسان الحرب الأهلية، وعبق "القصة إياها ... لا أكتبها ولا أنساها" ... ولكن من يفكر في الكتابة في هذا اليوم؟

آ . . يا بلد
ما عاد فيكي عيد
وغفّت على البيدر الجبّاني (هنا بمعنى آلة تستعمل في البناء)
وراحوا القهاوي (المقاهي)
ما بقي للمرحبا
إلا طريق السوق بعد الصبح،
وقبل المسا
ساحة الجبّاني! (بمعنى المقبرة)

يا بلد
يا عمر ساعة معطّلي
يا وقت اسمه معارفة الوجوه ...
يا بلد يا عيد
نهرب ونتمشى
ورا كروم الرضا
نمشي تيمشي العمر
وقّف وقول: خْطَيّ ! (خطيّ: أنا أخطأت)
يا بن التلات سنين
طلوا عليك الأربعين
شو عرّفك
مش كل ما تركض شوي
بيموت كمشي من الأهل (كمشي: بضع)
وبيضيع بيت من البلد
March, 2008

يوميات مواطن عادي

يوميات  مواطن عادي

مريم عيتاني - الجزيرة توك - بيروت

 

غيّرت العنوان قليلاً. طاردتني "يوميات الحزن العادي"* إلى ما لا نهاية، لكن ما أكتبه قد لا تعبر عنه كلمة حزن، ليس لأنه غير مؤلم لكن لأنه متسرب في يومياتنا وحياتنا ومتغلغل لدرجة تجعلنا نألفه ونموت على موت احساسنا به. وبين المواطن العربي والحزن لا فرق كيبر. يبتعد الوطن ويقترب" وفي يوميات كل مواطن تكتب الكتابة أو تحاول أن تكتب لكي تكف هذه اليوميات العادية على أن تكون قابلة للقبول.

 

كان صباحاً عادياً في الجامعة لكني وقرب المدخل صادفت رجلاً يمشي وكانه اعمى، لكن احدى عينيه فقط مغمضة والاخرى مفتوحة. رايته ينحرف الى الحشائش بدلا من اكمال الطريق نحو الدرج للخروج. اقتربت منه وامسكت بيده، سالته، تحتاج مساعدة؟ لوين واصل؟ فقال لي إلى درج المدخل. اوصلته الى الدرج وصعدنا، وعندما اقتربنا من البوابة خفت ان اتركه في الشارع وحيدا، فسالته هل تريد الخروج من الجامعة؟ فقال لي لا. قلت له هل اوصلك الى مكان محدد؟ فقال لي نعم الى مدخل النقابة (وهو مكان داخل الجامعة بجانب البوابة) فاوصلته وصعد. خرجت من ثم لألحق بدوام عملي واستقليت احدى سيارات الأجرة.

تذكرت لاحقا أنني وفي غمرة استعجالي نسيت أن أطمأن كيف سيسلك طريق العودة.

وأدركت أنني بالنهاية لم أكن إلا انسان ككل من تركوه، وتركت، بسبب خوفي من التأخر بضعة دقائق إضافية على عملي، انساناً أعمى وحيداً في بلاد لا مكان فيها للأعمى أو للمعاق أو للأصم. وتذكرته ما حكاه لي صديق عن إنسان أصم أطلق بعض الجنود على الحاجز النار عليه لانهم سألوه مراراً ان يتحرك فلم يتحرك (وهو أصم!).

 

لكنهم رغم هذا يعملون بجد ويصرون على ألا تكون حياتهم خالية من المعنى والطموحات.

 

"هكذا ينام العالم،

هكذا يستيقظ العالم،

هكذا ينساني ... "

 

***

 

ليسوا هم فقط المنسيين. هم مجرد جزء من يوميات الحزن العادي، أقصد المواطن العادي. أعود لمسار أحداث اليوم، حيث كان الوقت قد قارب الظهر، واستقليت سيارة الأجرة من الجامعة إلى العمل، وكانت في المقعد الأمامي امرأة في الخمسينيات إلى جانب السائق، بالاضافة لي ولطالب آخر استقل السيارة بعدي بدقائق.

سأل الشاب: لماذا لا يوجد ازدحام هنا؟

فأجابت المرأة: اليوم عيد المعلم والمدارس معطلة. وابتسمت ابتسامة كبيرة لكن بأسى. "اليوم عيدي، عيد المعلم، وقريبا عيدي الثاني عيد الأم، لكن من يتذكر؟ أولادي مسافرين طلبا للرزق والعمل، وانا هنا وحيدة".

كأنها مجدداً يوميات الحزن العادي. "تريد أن تزور أمك في العيد" ... "والليلة، يقترب عيد ميلادك، في الثالث عشر من آذار، المناسبة التي طالما انتظرتها لانتزاع الحزن الكاذب، فهل ستفرح كما فرحت وتدعو أهلك وأصدقاءك" ... لكن لا عدو هنا يمنعك ولا حواجز. كلها عوائق فرضتها عليك الحاجة، بل فرضتها عليك سياسات حكام وطنك.

 

تعودين بذاكرتك يا خالة إلى "أيام شمعون، لما كنا بفرنك نعيش أحلى حياة مكفيين ومبسوطين" فأحسب بذاكرتي أن بين أيامنا وأيام شمعون خمسون عام. ثم تعرجين في حديثك على الازدحام الذي كان أمام فندق البريستول. ماذا هناك تسأليننا؟ فأجيبك، "اجتماع لقوى أربعة عشر آذار". فيقول هذه المرة السائق "وأخيراً ان شالله بكرا قولكم لح يصير عنا رئيس؟" وترفعين يديك وتبتسمين مجدداً: "ان شالله. مين قولكن؟" فحز في نفسي أن أخبرك بأن الجلسة أجلت ككل مرة، وهذا ضمن اليوميات، لكني قلت أنك لا بد ان تعرفي فأخبرتك، فقلت لي "أجلوها؟ بس مين قولكن لح ينتخبوا؟" فقال الشاب "ان شالله سليمان" وأمنت هي على قوله "ان شالله سليمان" ... ثم قال السائق "يا ريت ينتخبوني أنا رئيس" وضحكنا في جملة عابرة تعلق في ذهنك ويصعب عليك أن تنساها.

 

***

 

كلمات بسيطة عابرة لكنها عميقة ومعبرة. سائق أجرة يتجرأ أن يحلم بأن يصبح رئيسا ويتمنى ذلك.

 

فتقول له، ابنة الخمسينيات المليئة بالحيوية: "يا ريت. يا ريت ينتخبوك رئيس. عالقليلة منعرفك منا، وبتعرف شو منعاني، معانى متلنا، وشايف كل الناس اللي بيطلعوا معك كل يوم ليل ونهار عالخط" ... وسألت نفسي والكلمات، هل يعي يا ترى ماذا يعني بأن يصبح رئيسا، وهل اذا أصبح سيتمنى لو يعود سائقا لهذه السيارة المتواضعة؟

 

هي يوميات الحزن العادي. بكل كلماتها ومعانيها. " لم تكن فكرة الوطن تحتاج على ما يبدو الى اجتهاد فكري" ... هي تحياها في أيام شمعون والفرنك، وهو يتمنى لو يصبح رئيساً لأن الرئاسة تعني له تأمين لقمة العيش والراحة. هي تفكر في أولادها المسافرون وفي الوطن ... "يصير الوطن هو العبء والقيد والألم. لن تجد الحرية خارج هذا القيد ولن تجد الراحة بعيدا عن هذا العبء ولن تجد الفرح خارج هذا الألم، لكنك رغم كل هذا تحمل حقائبك وترحل. أسمعها تقول لنفسها "تنحني ريثما تمر العاصفة" .. وتسأل أولادها "من شدة الانحناء صار ظهري قوسا فمتى تطلق سهمك؟ صار ظهري قنطرة فمتى تعبر؟ صار ظهري علامة استفهام فمتى تجيب؟"

 

وتنتظرين فلا إجابة.

 

لا تملين من الحديث، ولا من الابتسام.

هل تدركين أن حديثك مؤلم يا خالة، وان أكثر ما يؤلم فيه بساطته التي تعكس في العمق واقعاً صعباً.

"أسعار الشقق في ارتفاع كبير. قلت لزوجي تعال نترك البيت الذي نستأجره ونأخذ خلواً ونصعد لنسكن في طرابلس حيث الشقق أرخص والحياة أرخص. لكنه رفض فحياتنا كلها هنا".

وهذا كان في يوميات الحزن العادي. أردت أن تستأجر الشقة، وتراها كما رأيتها، لكنهم منعوك لأنك عربي، أما هنا، فتعال انظر العربي كيف يعامل العربي في ازمات الفقر والبطالة والغلاء. انظر كيف يضطر أب لسبعة اولاد قادم للعمل في بيروت من الريف لاستئجار ليس شقة بل شرفة (بلكون) صغيرة في احدى الشقق التي يتشاركها مع حوالي العشرين آخرين، بمبلغ يفوق الخمسين دولار شهرياً من راتبه المتواضع.

 

فلا تجعل من يوميات حزنك العادية جرحاً كبيراً وعميقاً، واستمع إلى كلمات هذه المرأة التي لا تمل من الحديث. أية قدر ساقها إلي اليوم، وتتابع ... "رفض زوجي أن ننتقل إلى طرابلس مع أن زوجي هو من طرابلس في الأساس. زوجي أخو الصحافي .. الذي قتلوه، وأتت الأوامر بقتله من ... . وأخو زوجي الله يرحمه كان شجاعا جدا، وجريئا جدا، لكن هذه النتيجة."

نعم هذه النتيجة في وطننا العربي، اذا كانت هذه النتيجة في لبنان، بلد الصحافة والحريات، لك أن تتخيليها أيضا في الدول العربية الأخرى. قالوا أننا مواطنون؟ أنت يا درويش موجود فلسفيا وغائب قانونيا، أما نحن فموجودون قانونيا لكننا غائبون بل مغيبون واقعياً، وما أكثرنا في أوطاننا. عرب؟ وكما قلت لم نأخذ من المتنبي الا "فيك الخصام وانت الخصم والحكم" فكانوا هم الخصوم والحكام وهم الذين يحددون لنا "ما هو الوطن". وحتى اليوم ما زالوا لم يتفقوا على الوطن.

 

***

 

آه ... كم هي مؤلمة وطويلة يوميات الحزن العادي ... يوميات المواطن العادي، والوقت لما يصل بعد للظهيرة. على رصيف أحد التقاطعات، لفتتني بعض اشارات السير المرمية أرضا، بينما ارتفعت اشارات جديدة. قد يقول البعض أنها اهتمام من الدولة وتطوير للشوارع، لكن كل من زار بيروت يدرك أنه، وبغض النظر عن انقطاع الكهرباء كثيرا من الاحيان، فان اشارات السير لا تشغّل بل هناك دائما شرطي يدير عملية المرور، وان اشارات السير لا تستهلك وتظل جديدة، وانه بكل سهولة بمجرد القاء النظر على هذه الاشارات الملقية على جانب الطريق تجدها شبه جديدة. جزء آخر من يومياتنا ... كانوا يسمونه "هدر" للمال العام أو "فساد" في الادارات العامة. لكن لا اعرف اذا كان احد ينتبه له اليوم.

 

وهنا كان علي أن أنزل.

أعرف أنني سأستغرق في عملي ثم أعود إلى الجامعة ثم إلى المنزل، وأن يوميات المواطن العادي هي مجرد يوميات، ككل ما يمر علي وأقول "يجب أن أكتب عنه" ولا أكتب. لكنني اليوم وأخيراص كتبتها. حررت يوماً واحداً من يوميات المواطن العادي، وفي كل يوم آلاف اليوميات المشابهة بل ملايين لملايين المواطنين "العاديين" ... "لم يعد البكاء لائقا بمن هم في مثل سني" ... وانت يا همومنا، ويا يومياتنا، انت يوميات الحزن العادي، أما ما كتبه درويش عن الأرض المحتلة، فلعل خير ما نفعله لأجلها قد يكون فعلاً الصمت، "فمن جمال غزة أن أصواتنا لا تصل اليها ولا شيء يشغلها أو يدير قبضتها عن وجه العدو".

 

 

 

* يوميات الحزن العادي - أحد كتب محمود درويش

February, 2008

كأن العمر ما كانا

قدمت عمري للأحلام قربانا..

لا خنت عهدا.. ولا خدعت إنسانا

شاخ الزمان.. وأحلامي تضللني

وسارق الحلم كم بالوهم أغوانا

شاخ الزمان وسجاني يحاصرني

وكلما ازداد بطشا.. زدت إيمانا

أسرفت في الحب.. في الأحلام.. في غضبي

كم عشت أسأل نفسي: أينا هانا؟

هل هان حلمي .. أم هانت عزائمنا؟

أم إنه القهر.. كم بالعجز أشقانا؟

شاخ الزمان.. وحلمي جامح أبدا

وكلما امتد عمري.. زاد عصيانا

والآن أجري وراء العمر منتظراً

ما لا يجيء.. كأن العمر ما كانا!

 

 

لفاروق جويدة ... تترك للقارئ مساحة كبيرة للتفكر ... موفق كما دائما

 

January, 2008

أرضٌ من نور، في بحرٍ من ظلمات

أرضٌ من نور، في بحرٍ من ظلمات

 

مريم عيتاني – الجزيرة توك – بيروت

 

الليلة ...

لن يبقى من نور الدنيا إلا أضواء قلوب عمرت بالإيمان؛

لن تسطع في غزة شمس كي تكسر سود الطغيان؛

الليلة تطفئ كل الأنوار وتشعل كل الصلوات؛

لن يبكي أمجد من وجع الساعات،

لن تشكو زينب من ملل الأوقات،

لن تدمع عيناها ولا عيناه،

لأن الدمعة صارت ماءً، والوقت قوات؛

" يكفينا للّحظة يا زينب، يا أمجد،

أن نحيا، أن نعلن للمتجبر أنّا أقوى من كل القوّات،

بمعونة رب السماوات... "

الليلة غابت ماما،

لكن بقيت من ذكراها تلك الكلمات...

قلبها كان حنوناً جداً،

لكنه أضعف من أن يصمد من دون الآلات،

الليلة غابت وغرقنا،

في ظلمات...

 

***

 

الليلة ...

لن أفتح عينيّ بتاتاً، فالظلمة كل الأشياء؛

لن أفتح أذنيّ بتاتاً، فالصمت موات الأحياء؛

لن أحلم أبداً بصباحٍ، جدّي يطلب فيه دواء،

يا جدي الصبح سيجلب معه الشمس ولكن،

الشمس ستكشف للعالم عن هول المأساة؛

الشمس ستدخل عيني وقد تدخل عينيك وأيضاً لكن،

آلاف الأعين لن تعرف بعد العتمة هذه نوراً،

لن تعرف بعد الليلة هذي حياة؛

آه يا جدي أوتعلم،

أني لا أجرؤ أن أدعو الله بطول العمر لأي حبيب،

يا جدي أعشقك ولكن،

أدرك كم أنك تتألم،

كم يحكي الصمت الساكت في عينيك،

صمت مكابر،

يا جدي، ألغزة صابر؟

ألغزة فجر يا جدي؟

هل ستجيبني أم ستغادر؟

جاوبني يا زمن الصمت،

يا زمن الخذلان الفاجر،

جدي باع سنيه لغزة،

بعتم جدي بيعة غادر...

 

***

 

الليلة ...

غزة أرض من إيمان،

أرض من صبر، من أحزان،

أرض من نور، في ظلمة هذي الأكوان؛

غزة أرض من أوجاع تعرف كيف تناضل،

غزة تعرف كيف تدافع عن عزتها في زمن الخذلان القاتل،

غزة تعرف كيف ستبقى قلب مقاومة نابض،

قلبها لا ينبض بالآلات أو الماكينات،

شريانها حي من دون وقود "فيول" أو ضخّات،

غزة لا تسألني أو تسألكم أي اعانات،

غزة لا تسألكم خجلاً أو تسألكم أن تشعروا بالعار أو "العارات"

غزة لا تسألكم شيئاً،

غزة ما عادت في دنياكم من سنوات،

غزة لم تغرق هذي الليلة في بحر الظلمات،

غزة غرقت مذ غرقت أمتنا في بحر من لهو وضياع وسبات،

غزة ذبحت مرات بينما كنا نستقبل "بوشاً" بالقبلات،

 

غرة يا أرضاً من نور في بحر من ظلمات،

كيف أصلك الليلة قولي، لا أملك إلا الدمعة والصلوات؟!

January, 2008

سنة بألف ... طلال سلمان

ســـــــــــــنــة بــــــــــــألــف
 
طلال سلمان
 
لم يعد للعرب عموماً، وفي مختلف أقطارهم، بدءاً بلبنان وانتهاءً به، علاقة واضحة مع الزمن..
الزمن يمر بالعرب، فلا هم يأخذونه فيفيدون منه، ولا هم يجارون تياره فيدفعهم دفعاً إلى مجاراة حركة التقدم، من دون أن يفيدوا علماً وخبرة وتجربة تفيدهم في غدهم.
لكأنهم يواجهون الزمن، يعترضون طريقه، يشعرهم بتخلفهم، بعجزهم، باندحارهم، فيتصرفون معه وكأنه يحابي «أعداءهم»، فيندفعون إلى الالتحاق بمن كانوا في موقع «الأعداء»... لعلهم يستعيدون شيئاً من زمانهم أو يدخلون فيه.
أما بالنسبة إلى لبنان خصوصاً، فيمكن القول إنه لم يعد له علاقة واضحة مع الزمن، فأزمته السياسية المفتوحة لا تهتم كثيراً للمواعيد، دستورية كانت أو قانونية، أو عملية بمعنى اتصالها بحياة أهله.
من هنا فإن سنته في زمنه الاستثنائي هذا هي ألف سنة مما يحسبون!
لكأن هذا الوطن الصغير والجميل بات «خارج الزمن»، أو أن الزمن يجري خارجه.
هو «دولة»، رسمياً، لكنه ليس دولة تماماً.
هو «جمهورية»، رسمياً، لكنها جمهورية بلا رأس، وبلا مؤسسات فعلية، ولا يحمي وجودها الرسمي إلا «الخوف»، الخوف على شعبها من غيابها، والخوف على استقرار محيطها إذا ما غابت أو غيّبت في غياهب الفوضى.
إنها جمهورية بلا رأس في حمى الفراغ المنظم!
مقعد الرئيس الأول شاغر، والحكومة بتراء، مطعون في شرعيتها وفي ميثاقيتها، والمجلس النيابي مشلول بالخلافات ولاّدة الأحقاد والأغراض والأمراض، لا «الأكثرية» تستطيع إلزامه بمطامحها، ولا «الأقلية» تستطيع تحقيق النجاح في الوصول إلى تسوية مقبولة.
ثم إن الأكثرية «الرسمية» لا تعكس أكثرية شعبية جارفة وقادرة على الفرض.
و«الأقلية» المعارضة، ليست أقلية، بل إن جمهورها أعرض، وإن ظلت مطالبها «طبيعية»، فهي تقول بالمشاركة على قاعدة نسب التمثيل في المجلس النيابي، وليس الواقع الشعبي وإلا لاختلفت الحسابات..
لبنان اليوم، وحتى إشعار آخر، جمهورية بلا رأس. مقعد رئيس الجمهورية شاغر والقصر مقفل. الحكومة البتراء طرف في الحرب على سلطة القرار، ثم إنها طرف في معسكر دولي يمحضها ثقته ويشيد بها على مدار الساعة، ويعتبرها شرعية ودستورية ومنتخبة ديموقراطياً، ولو كره الكارهون. وآخر من جاء لتأكيد شرعيتها واستمرارها فوق قمة ما تبقى من «السلطة المركزية» هما الموفدان الأميركيان ديفيد ولش وإليوت أبرامز. المجلس النيابي يحاول، عبثاً، التوافق على العهد الجديد، فتأتيه الريح المانعة للإجماع من خارج، فيتلاقى نوابه في ردهاته ولا يجتمعون، ويتمازحون ويتضاحكون أمام العدسات، ويرشحون «القائد» نفسه ثم لا ينتخبونه!
ولأن ترشيح قائد الجيش حقق إجماعاً غير مسبوق، فإن أي تأخير في انتخابه ورفعه إلى سدة الرئاسة سيرتد سلباً على هذه المؤسسة الوطنية الجامعة.
فلقد شكل الجيش على امتداد سنوات الأزمة الثلاث، وما زال يشكل صمّام الأمان، سواء من خلال لعبه دور «قوة الفصل الوطنية» بين أطراف الصراع السياسي في لبنان: لقد منع الاحتكاك والتصادم، من دون أن يصطدم بأي طرف. لم يضطر لاستخدام سلاحه مرة واحدة، وإن شهره مؤكداً قوته وحيدته ليمنع القوى المختلفة من استخدام أسلحتها وما أكثرها!
... أما مع تنظيم «فتح الإسلام» في مخيم نهر البارد فقد أجبر على استخدام سلاحه. بل لقد أعوزه هذا التنظيم الذي سرعان ما ثبت أنه جزء من معسكر التنظيمات الأصولية رافعة الشعار الإسلامي في السياسة، إلى طلب نجدات بالسلاح، وجاءته شحنات أقل مما يحتاج من بعض الدول العربية الصديقة للإدارة الأميركية، لكن القيادة السورية هي التي وفرت له الكثير مما يحتاج، خصوصاً أنها ـ بالأصل ـ مصدر معظم السلاح العتيق الذي يحمله!
لقد اجتهدت قيادة الجيش فنجحت في تحييده عن معسكري الصراع..
لكن هذا الجيش، بشخص قائده الذي رشحه الإجماع لرئاسة الجمهورية، ثم منع الاختلاف انتخابه، يكاد الآن يتحول إلى ضحية الصراع بين المعسكرين، الذي استولد نوعاً من الحب القاتل بالمزايدة: لقد رشحه طرف، ووالاه طرف، وزايد كل على كل، باللافتات والشعارات والإعلانات الملونة والصور المكبرة.. لكن الأطراف جميعاً توقفت عند الإجراءات الشكلية فتعاركت عليها حتى صار الشكل أهم من المضمون...
وهكذا يجد القائد نفسه في وضع محرج قد يدفعه إلى قرار خطير بأن ينجو بموقعه من هذه المعركة، تاركاً للناس أن تحاسب من كان السبب في إضاعة فرصة لا تعوض.

للبؤس زمانه الخاص، وتقويمه الخاص. من هنا فإن 2007 هي سنة بألف مما تعدون.. خصوصاً أن بدايتها الفعلية سبقت ميلادها بسنتين إلا قليلاً. إننا نشهد الآن بعض النتائج. بعض نتائج 14 شباط ,2005 وأكثر من نتائج الحرب الإسرائيلية على لبنان في تموز .2006
ولقد عاش لبنان حروباً عديدة متنوعة الأهداف والشعارات والأطراف، حتى صار مواطنه خبيراً في أحوال السلم والحرب، يستشعر خطر التصادم والانشقاق قبل أن يقع فعلاً مستنزفاً دماءه واقتصاده ومستقبل أبنائه.
كذلك فقد بات اللبناني خبيراً محلفاً في كل ما يتصل بما يسمى «حروب التدخل»، يستشعر خطرها قبل أن تنفجر، ويعرف أطرافها، مموليها وموردي السلاح ومبدعي الشعارات ومصنعي الرايات من قبل أن تطلق الرصاصة الأولى. إن الظروف المأساوية التي عاشها وما زال يعيش في إسارها قد فرضت عليه أن يكون مثل الكشاف «دائماً مستعد»!
وأخطر سمات «حروب التدخل» أنها تموّه نفسها بشعارات مغرقة في محليتها.
وخلال ثلاث سنوات من «حروب التدخل» في لبنان تم، بعون «الدول» المشفقة عليه، تدمير المؤسسات ـ أي الدولة ـ جميعاً.
ثلاث سنوات من حملات التسفيه والاتهام بالجريمة والانحراف السياسي إلى حد «الخيانة»، طاردت رئيس الجمهورية المنتهية ولايته، بحيث بات الموقع نفسه بحاجة إلى إعادة اعتبار... فالحملة قد تجاوزت شخص العماد إميل لحود لتطال الموقع نفسه، وبالتالي طائفة شاغله..
وليس من باب المصادفة أن تصبح بكركي المقصد والمحطة الضرورية والمدخل لمهمة أي موفد، يستوي في ذلك الأمين العام للأمم المتحدة أو الأمين العام لجامعة الدول العربية، أو الوزراء الأوروبيون، أو الموفدون الأميركيون، فضلاً عن السفراء العرب والأجانب..
لكأنما كان الجميع يريد أن يطمئن «المسيحيين»، والموارنة منهم على وجه الخصوص، وعبر شخص البطريرك صفير إلى أن الرئاسة الأولى ستظل لهم..
بعض الزيارات كانت للاعتذار عن أخطاء سابقة. وبعضها كانت من باب التأكيد على ضرورة إعادة الاعتبار إلى الموقع الماروني الأول في الانتخابات التي تحضر كل لوازمها، ثم لا تجري!

.. ولأن الطبيعة تأبى الفراغ، فكل ما نقص في أو من صلاحيات رئيس الجمهورية ذهب إلى الحكومة البتراء التي أراد لها القرار الدولي (والعربي ضمناً) أن تكون شخصاً واحداً هو رئيس الحكومة! وهكذا تبدى وكأن طائفة بالذات قد «اغتصبت» الموقع الأول المكرس لطائفة أخرى.. وكان لا بد من بعض عمليات التجميل، ولو عبر التحريض على طوائف أخرى!
ثم جاء خروج الشيعة من الحكومة لأسباب يختلط فيها الاعتراض المحق مع التقدير الخاطئ في توقيته، وأحياناً في موضوعه، فيتبدى وكأن «طائفة عظمى» جديدة قد أنشئت في لبنان، لترث الطوائف جميعاً.
تزايدت الحماية الدولية للحكومة البتراء، وصار اسم فؤاد السنيورة لازمة موسيقية لتصريحات كبار المسؤولين الأميركيين والأوروبيين عن لبنان.. أما المسؤولون العرب فكانوا، على عادتهم، يبلغون التأييد مواجهة أو عبر التواصل اليومي، ثم يخرجون إلى الناس بمواقف تدعي الحيدة والانهماك من أجل التوافق والسعي إلى إنجازه. 
 
لقد تآكل لبنان، شعباً ودولة، حكومة ومؤسسات رسمية وقطاعاً خاصاً، نقابات مهنية وهيئات اقتصادية وصولاً إلى الجمعيات الخيرية!
تكفي مراجعة لعناوين الصفحات الأولى من الصحف اللبنانية الصادرة على امتداد العام المنصرم، لكي تتحقق أن الصحافة ـ كمؤسسة ـ قد تآكلت هي الأخرى.
لقد تكررت بعض العناوين في صدر الصفحات الأولى، بالحرف تقريباً، مرات ومرات..
لم يكن ذلك كسلاً من الصحافيين، بل لأن الوضع قد استنقع فلم يعد قابلاً للتحول أو التبدل إلا بمعجزة... وكثيراً ما راهنت الصحف على «معجزات» لم تقع (مع أنها في الأحوال العادية تطورات طبيعية..)!
وعلى سبيل المثال لا الحصر: فقد احتل عمرو موسى، مثلاً، صدر الصفحات الأولى، كوسيط مؤهل للنجاح، مرات ومرات..
واحتل توقع المصالحة السورية ـ السعودية الصفحات الأولى عشرات المرات، خصوصاً كلما كان بين الأخبار ما يؤمل في تحقيقها..
كذلك فقد احتل اسم وزير خارجية فرنسا برنارد كوشنير الصفحات الأولى مراراً، وإن ظلت الأرجحية مطلقة للرئيس نبيه بري الذي كان يستولد من فشل مبادراته مبادرة جديدة يحاول بها إيجاد مخرج من المأزق الخطير..
لقد راهنت الصحافة والأوساط السياسية في لبنان، وما تزال تراهن، على احتمالات عدة:
ـ التوافق العربي... وكانت تطل بعض المقدمات ـ البشائر ثم يتراجع التوافق ليختنق في تفاقم أزمة العلاقات بين الدول المعنية. ومن ضمنها: التوافق السوري ـ السعودي، التوافق السوري ـ الأوروبي (بقيادة فرنسا)، التوافق السوري ـ الأميركي (مؤتمر أنابوليس)..
ولكن، ومع الأسف، لا العرب توافقوا. ولا الرياض صالحت دمشق، ولا القاهرة بادرت فنجحت، ولا باريس حققت الفوز كوسيط نزيه بين دمشق والقاهرة.. ولا القوى السياسية اللبنانية تلاقت في مواجهة الخطر الذي يهدد البلاد جميعاً، ويتهددها بالتالي في وجودها قبل نفوذها. 
 
انتهت سنة أخرى ولبنان على حاله: لا هو ميت فينعى، ولا هو حي فيرجى.
لا هو جمهورية، ولو بلا رأس، لأن الأيام تستهلك ما تبقى من تلك الجمهورية التي كانت. ولا هو دولة مؤسسات، فالحكومة البتراء باتت منتحلة صفة، والمجلس النيابي تشله الخلافات السياسية فيعجز عن إنجاز تعديل الدستور ومن ثم عن انتخاب الرئيس الذي تمّ الإجماع عليه من قبل أن يقبل ترشيح نفسه.
لا مجال للتقدير.. والتحليل السياسي لا يقود إلى يقين باقتراب الحل، كما أنه لا يوحي باستحالته.
لهذا علينا أن نكتفي بأن ننتظر ونراقب.. لعل وعسى..
إنها سنة بألف..
ونتمنى أن تكون الأخيرة في هذا السياق المدمر! 
 
 
 
الصفحة الثانية: فلسطين
طال بنا الحديث عن لبنان، ربما أكثر مما يجب. وقد يكون بين المبررات ان «الوضع» الذي صار اليه لبنان، بتأثير الضغوط الخارجية، يكاد يكون نموذجا في اللحظة العربية الراهنة: دولة بلا رأس، منشقّة على ذاتها، مهددة بالحرب الأهلية، يدفع شعبها ثمن إصراره على مقاومة الاحتلال الاسرائيلي، وتبتزها الادارة الاميركية لتتخذ منها منصة هجوم ضد سوريا وايران (و«حزب الله») بذرائع اسرائيلية!
غير بعيد عن لبنان، وبالذرائع نفسها، يُفرض حصار عربي ـ دولي قاتل على مليون ونصف المليون مواطن فلسطيني في غزة: يجوعون، يفرض عليهم أن يعيشوا في الظلام، لا يجدون مياها للشرب، تقطع عنهم المشتقات النفطية، فتتوقف المستشفيات عن تقديم الخدمات البسيطة للمرضى، فكيف بجرحى الاعتداءات الاسرائيلية اليومية الذين يتوافدون اليها بالعشرات. وحدهم الشهداء لا يتعرضون لكل هذا العذاب.
في الجانب الآخر من القلب الفلسطيني، أي في الضفة، حيث تضفي الادارة الاميركية ومعها الغرب كله، والعرب كلهم، الشرعية المطلقة على سلطة محمود عباس، وعلى حكومة سلام فياض بالذات منها، تشارك شرطة السلطة المخابرات الاسرائيلية في مطاردة المجاهدين المنتمين لمختلف التنظيمات، بما في ذلك «فتح»، والمصرّين على مواصلة النضال.
الموضوع الوحيد الذي يهتم له العالم بقيادة الادارة الاميركية هو تأمين السلامة لإسرائيل بانتزاع المزيد من التنازلات، عن الأرض والسيادة والحق التاريخي، من الفلسطينيين.
وهكذا فإن إلحاح الادارة الاميركية على عقد مؤتمر أنابوليس لم يكن أكثر من ضغط أميركي بالموقف العربي على السلطة الفلسطينية العاجزة لتعطي اسرائيل الحد الأقصى من مطالبها: الدولة اليهودية... مما يمهد لطرد من يسمون «عرب فلسطين» من «أراضي 1948» فلا يبقى في تلك الأرض المقدسة إلا «الطارئون» أي أهلها العرب، مسلمين ومسيحيين، بذريعة انها «أرض الميعاد» وانها مكرسة لليهود.
وبالطبع فإن تعليق لبنان في قلب الفراغ، وتعطيل مؤسساته الدستورية، وإشغاله بنفسه، سيربك محيطه جميعاً: سوريا، أساسا، ثم فلسطين عبر سلطتها المتهالكة، وبؤس الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها شعبها.
وهكذا فإن البؤس الذي يعيشه الشعب الفلسطيني المطارد بالقتل الاسرائيلي، على مدار الساعة، سيلقي ظلاله السوداء على لبنان، خصوصا أن الخطة الاميركية يمكنها أن تستخدم «فلسطينيي لبنان» كعنصر ضاغط في الاتجاهين،